أبي حيان التوحيدي
366
المقابسات
إذا كانت هذه النيابة على حد الكمال ولم تكن تلقينا من عامة الناس . ثم قال : وليس معنى قولنا وحد فلان أنه قال هو واحد ، هذا مفهوم العامة لا معقول الخاصة ؛ بل معنى قولنا وحد أي عرفه واحدا ، وعلمه واحدا ، وأثبته واحدا ، ووجده واحدا ، لا لأنه نفى عنه الثاني والثالث فصاعدا ، وكيف ذلك ، ولا ثاني له فينفى ، ولكن لأنه واحد وحده ، بل هو وحده واحد لا على سبيل تنسبق [ العبارة على ] عادة أصحاب اللفظ ، ولا على تعقيب يقتضيه إلف أكثر الخلق ، بل على لحظ ذات لا شوب فيها وتجريد أنية لا نعت لها وإشارة إلى هويه لا عبارة عنها ثم قال : وهذا موضع يزيغ عنه العقل الانسي ، ويوسوس منه الانسان العنصري ، وذلك لأن العقل يجد العلة الأولى وجدانا على أتم صورة وأشرف نعت ، وأبلغ قول ، فيهش إليه ويتهالك عليه ، قابلا لفيضه ، ومقتبسا من ذاته ، وسابحا في جوده ، ومتشبها بحقيقته ، ومناسبا بنعته ، يتحلى به من كان به عاقلا ومن كان به كاملا على ما دونه وعزوفا عما سواه ، فلذلك يظن الانسان إذا سما عقله إلى هذه الآفاق العلية ودنا نحو هذه الغايات البعيدة أنه خولط وجن وأنه وسوس ، وهذا عار يحل على بؤبؤة العين وناظر الحدقة في حيث هذه الحدائق المؤنقة ، والظلال الريحة ، والثمرات الحلوة والنعمة الدائمة ، والسعادة الحاصلة ، والأمنية الشاملة قيل : ينزل قليلا عن هذه الربوة فإنها قد أخذتنا عن درجاتنا ومقاماتنا إلى ما هيئنا لمعرفة هذه الدقائق والتوغل في هذه الاعماق - ما الفتوة ؟ قال : طهارة الحدة والطراوة في كل حال مباشرة ، لأنها متى فقدت جاءت الخلوقة والرثاثة ، ومن ذلك سمى الفتى فتى ، والفتى فتيا لأن الكرم والمجد والجود والعفة والنجدة وكبر النفس وعلو الهمة وسائر خصال الفضل والخير غضة في كل زمان طرية في كل مكان ، كان الطاهر بها والمطهر لها والمؤثر لاحكامها والمجدد لرسومها فتى وصاحب فتوة